سؤال التوجيه المدرسي والمهني في قانون التعليم المدرسي
بقلم، عبد العزيز سنهجي
بقلم، عبد العزيز سنهجي
شكل صدور قانون التعليم المدرسي رقم 21.59 محطة تشريعية مهمة في مسار اصلاح منظومة التربية والتعليم، وذلك بعد انتظار دام لأكثر من خمس سنوات، بهدف ارساء تأطير قانوني مندمج لمختلف مكونات ومستويات التعليم المدرسي العمومي والخصوصي. وتضمن هذا القانون 113 مادة موزعة على عشرة أبواب، يروم توحيد وتحيين الإطار القانوني المنظم للتعليم المدرسي، من خلال مراجعة القانون رقم 04.00 المتعلق بإلزامية التعليم الاساسي، والقانون رقم 05.00 بشأن النظام الاساسي للتعليم الأولي، والقانون رقم 06.00 بمثابة النظام الأساسي للتعليم المدرسي الخصوصي، وتجميعها في نص واحد، مع تحديد التعاريف المعتمدة في النصوص التطبيقية، وتوضيح وظائف التعليم المدرسي وتوجهاته الكبرى، ومراجعة هيكلته في القطاعين العام والخاص، وتحديد الأهداف الخاصة بكل سلك تعليمي، فضلا عن وضع القواعد العامة للهندسة البيداغوجية واللغوية، وارساء آليات جديدة للحكامة التربوية والادارية، والارتقاء بالموارد البشرية، وتنظيم مصادر التمويل، بما يسهم في تعزيز جودة منظومة التعليم المدرسي وضمان انسجامها وفعاليتها.
وبالرغم مما يمكن تسجيله من ملاحظات نقدية ذات طابع تنظيمي او اجرائي او منهجي حول بعض المواد، فان هذا النص التشريعي، في ما يتعلق بمجال التوجيه المدرسي والمهني، جاء وفيا لروح القانون الأطار 17.51، ومنسجما مع الإطار التنظيمي لمجال التوجيه الذي انطلق الاشتغال عليه منذ سنة 2019، مؤكدا استمرارية الاختيارات الاستراتيجية الكبرى، خاصة ما يتصل بفلسفة التوجيه ومقارباته وموقعه داخل النموذج البيداغوجي المغربي.
ومن خلال قراءة مندمجة لمضامين المواد 2 و73 و82 و83 و84 و88 من القانون، يتضح ان المشرع حرص على تثبيت المرجعيات المؤطرة للتوجيه المدرسي والمهني، واعادة الاعتبار لمفهوم المشروع الشخصي للمتعلم باعتباره خيطا ناظما لمكونات الفعل التربوي ومسارات التعلم عبر مختلف الأسلاك والأطوار التعليمية، مع تكريس مبدأ الجسور والممرات بما يضمن مرونة الانتقال واستمرارية المسار الدراسي والمهني.
فالمادة 2، التي تحدد المدلول القانوني لعدد من المفاهيم، عرفت المشروع الشخصي للمتعلم باعتباره سيرورة دينامية ومستمرة تمكنه من بناء تمثلاته حول ذاته ومؤهلاته وميولاته، وتساعده على بلورة اختياراته الدراسية والمهنية في انسجام مع قدراته وتطلعاته ومحيطه الاجتماعي والاقتصادي. وهو تعريف يؤكد الطابع التراكمي والاستشرافي للمشروع الشخصي، ويخرجه من كونه مجرد اختيار ظرفي لمسلك دراسي الى كونه مسارا ممتدا ومواكبا بيداغوجيا ونفسيا واجتماعيا وتدبيريا.
أما المادة 73، فتعكس رؤية تقوم على تنويع وتحديد المسالك الدراسية والمسارات المهنية بالتعليم المدرسي، في انسجام مع مسارات التعليم العتيق واسلاك التكوين المهني والتعليم العالي، مع الحرص على تحقيق التكامل والتدرج بين مختلف الاسلاك بما ينسجم مع مراحل نمو المتعلم ومشروعه الشخصي، وتطوير مسارات مهنية جاذبة ابتداء من التعليم الاعدادي تفضي الى شهادات تتيح متابعة الدراسة، الى جانب ارساء الجسور والمرور بين التعليم المدرسي وباقي مكونات منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، ووضع نظام للممرات داخل اسلاك التعليم المدرسي، واحداث جسور بين مسالكه ومساراته واطواره وكذا مع التكوين المهني والتعليم العالي، بما يضمن حركية المتعلم واستدامة مشروعه الدراسي والمهني.
وقد كرست المادة 82 التوجيه المدرسي والمهني كحق اساسي للمتعلم وواجب على المؤسسة التعليمية، ووظيفة بنيوية من وظائفها، وجعلته مكونا مركزيا في النموذج البيداغوجي يشتغل ضمن نسق مندمج مع باقي مكوناته، وليس نشاطا موازيا او موسميا ظرفيا. كما اعتمدت مقاربة كفاياتية تضمن مواكبة تدبير المشروع الشخصي للمتعلم منذ التعليم الابتدائي، مرورا بالتعليم الاعدادي، وصولا الى التعليم الثانوي التأهيلي، بما يعزز قدرة المتعلم على اتخاذ القرار والتكيف مع متطلبات الحياة الدراسية والاجتماعية والمهنية.
وعززت المادة 83 هذا التوجه من خلال التأكيد على مركزية المتعلم باعتباره فاعلا نشيطا ومسؤولا عن اختياراته، وعلى ضرورة تحقيق التكامل بين الفعل التربوي والفعل التوجيهي، بما يمكن المتعلمين من الاندماج في مسارات دراسية ومهنية منسجمة مع مؤهلاتهم الذاتية والمعرفية، ويعزز قدرتهم على الانخراط الايجابي في الحياة العملية.
وتبرز المادة 84 المشروع الشخصي للمتعلم كالية مركزية لتحقيق فلسفة النموذج البيداغوجي، من خلال ضمان التنسيق بين مختلف مكونات منظومة التربية والتكوين، واستشراف حاجات المتعلمين وربطها بمحيطهم الاجتماعي والاقتصادي، واعتماد منهجيات تعلم قائمة على التفكير والعمل وتنمية الكفايات. كما تؤكد على محورية المتعلم وفاعليته داخل المنظومة، وعلى أهمية ابراز التفوق والتنوع عبر اليات ملائمة للدعم والمواكبة والتقويم.
وتنص المادة 88 على ارساء آليات للتنسيق واقامة الجسور بين التعليم المدرسي وباقي مكونات منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، ووضع مناهج وبرامج خاصة بالمسارات المهنية في إطار تنظيم بيداغوجي منسجم ومتكامل، وادماج اكتشاف المهن منذ التعليم الابتدائي لتحفيز الميولات المهنية لدى المتعلمين، مع توسيع وتنويع هذه المسارات بما يستجيب لمشاريعهم الشخصية وحاجيات سوق الشغل، فضلا عن وضع اليات للتنسيق بين مؤسسات التعليم المدرسي والمؤسسات المعنية بالتكوين المهني ومؤسسات الانتاج والمقاولات.
وتجدر الاشارة الى أن حضور التوجيه المدرسي والمهني في مشروع قانون التعليم المدرسي رقم 59.21 لم يقتصر على المواد 2 و73 و82 و83 و84 و88، رغم مركزيتها، بل امتد الى مواد اخرى تؤطره بشكل غير مباشر داخل البناء العام لهذا النص القانوني. فالمادة 6، من خلال تحديدها لمكونات ووظائف التعليم المدرسي، تدرج التوجيه ضمن الوظائف البنيوية للمؤسسة التعليمية، مما يعكس طابعه الهيكلي داخل المنظومة. كما ان المواد 17 و18 و19 وما يليها، المنظمة لتنويع المسالك الدراسية والمهنية وتنظيم الاسلاك التعليمية، تؤسس عمليا لفلسفة التوجيه عبر اقرار تعددية المسارات وامكانية الانتقال المرن بينها وفق ضوابط محددة. وفي السياق ذاته، فان المقتضيات المرتبطة بإرساء الجسور والممرات بين الاسلاك والمسارات، خاصة ضمن الباب المتعلق بتنويع العرض التربوي، تشكل امتدادا وظيفيا للتوجيه، بما تتيحه من مرونة في اعادة التوجيه وضمان استمرارية المسار الدراسي. كما ان المواد المتعلقة بالدعم التربوي والمواكبة، واختصاصات الاكاديميات الجهوية للتربية والتكوين في مجال التأطير والتتبع، تمنح التوجيه بعدا مؤسساتيا وتنظيميا واضحا.
ومن خلال هذه اللبنة القانونية، التي يجب ان تندرج ضمن بناء تشريعي متكامل ومنسجم، يكون قانون التعليم المدرسي رقم 21.59 قد أسس جانبا مهما من فلسفة التوجيه كما حددها القانون الإطار 17.51، ليس فقط بالمحافظة على مرتكزاتها المفاهيمية والمنهجية، بل أيضا عبر تدقيقها وترجمتها الى مقتضيات قانونية صريحة وربطها بباقي مكونات الإطار المرجعي المؤطر لمجال التوجيه المدرسي والمهني. كما يسجل لهذا القانون انه اعاد ضبط المفاهيم، وحدد بوضوح موقع التوجيه داخل النموذج البيداغوجي، بما يسهم في تجاوز بعض مظاهر الارتباك والغموض التي طبعت مراحل سابقة من تنزيل خارطة الطريق 2022-2026، ويعزز انسجام السياسات التربوية مع الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030.
غير أن اكتمال هذا الورش الاصلاحي يظل رهينا بإصدار نصوص تنظيمية ومراسيم تطبيقية قادرة على تحويل هذه المبادئ الى آليات عملية واضحة وممارسات ميدانية مؤطرة، تحدد بدقة أدوار مختلف المتدخلين من أطر التوجيه والادارة التربوية وهيئات التدريس والشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين.
وعليه، يبقى الأمل معقودا على استصدار مرسوم تنظيمي خاص بالتوجيه المدرسي والمهني يؤطر هذه التوجهات ويحدد اليات تنزيلها، بما يعزز استقرار المنظومة ويوفر الأطار العملي الكفيل بتحقيق غايات وفلسفة التوجيه المستندة الى مقاربة المشروع الشخصي للمتعلم باعتبارها رافعة أساسية لتحقيق مدرسة الجودة والانصاف والارتقاء الفردي والمجتمعي.
وفي الختام، فان ما جاء به قانون التعليم المدرسي رقم 21.59 في مجال التوجيه المدرسي والمهني، وخاصة ما يتعلق بمركزية المشروع الشخصي للمتعلم داخل النموذج البيداغوجي، ينسجم مع التوجهات الاستراتيجية الدولية والوطنية للإصلاح. ومع ذلك، تظل هذه القراءة أولية غلب عليها المنظور الاستطلاعي التحليلي أكثر من استنطاقها لرهانات التنزيل الميداني وتعقيداته. فقيمة أي نص تشريعي لا تقاس فقط بوضوح مفاهيمه وانسجام هندسته القانونية، بل بقدرته على الصمود امام اكراهات الواقع التربوي، وما يطرحه من تحديات تتصل بالموارد البشرية، وشروط ومتطلبات الاشتغال، وتكافؤ الفرص المجالية، وتمثلات الفاعلين، وحدود المواءمة بين الطموح البيداغوجي ومقتضيات اعمال المشروع الشخصي للمتعلم والتحولات المتسارعة في مجالات العمل والتعلم والتكوين والتكنولوجيا. ومن ثم، تظل هذه القراءة مفتوحة على مراجعات لاحقة، تستدعي اغناءها بدراسات ميدانية وبإسهامات نقدية متعددة الزوايا والمرجعيات، بما يسمح بالانتقال من تحليل النص الى مساءلة أثره الفعلي في تجويد ممارسات التوجيه المدرسي والمهني وتحقيق غاياته التربوية والمجتمعية
عبد العزيز سنهجي - فبراير 2026
