ismagi

بين المعدّل والمشروع الشخصي: نحو ترتيبٍ عقلاني للأولويات في زمن الاستقطاب المحدود

الاستاذ

مشرف منتدى tawjihnet.net
طاقم الإدارة
بين المعدّل والمشروع الشخصي: نحو ترتيبٍ عقلاني للأولويات في زمن الاستقطاب المحدود
La moyenne et le projet personnel : vers une hiérarchisation rationnelle des priorités à l’ère de l’accès régulé
مقال الكاتب : محمد بكنزيز
بين المعدّل والمشروع الشخصي نحو ترتيبٍ عقلاني للأولويات في زمن الاستقطاب المحدود.jpg
مقدمة
أفرزت التحولات البنيوية التي يعرفها النظام التعليمي المعاصر، وخاصة تزايد الضغط على المؤسسات العليا ذات الاستقطاب المحدود، سياقًا جديدًا أصبح فيه المعدّل الدراسي المرتفع محدِّدًا أساسًا لفرص الولوج. وفي المقابل، تعزز حضور مفهوم المشروع الشخصي للمتعّلم بوصفه مدخلًا تربويًا لتقوية الدافعية، وتوجيه التعلمات، وبناء اختيارات دراسية ومهنية أكثر انسجامًا مع الذات.
غير أن هذا الوضع يطرح إشكالًا تربويًا مركزيًا يتمثل في: هل ينبغي تقديم بناء المشروع الشخصي باعتباره أولوية في التوجيه، أم أن منطق الانتقاء يفرض إعطاء الأولوية المطلقة لتحقيق معدلات مرتفعة؟
تهدف هذه الورقة إلى تحليل العلاقة بين المشروع الشخصي والمعدل، وبيان حدود اختزال النجاح في أحدهما، مع اقتراح تصور تكاملي يزاوج بين منطق المعنى ومنطق الإنجاز، وتقديم توصيات عملية قابلة للتنزيل داخل المؤسسات التعليمية.

1. المشروع الشخصي للمتعّلم: المفهوم والوظائف التربوية
يُعرَّف المشروع الشخصي للمتعّلم باعتباره سيرورة بنائية متدرجة، يقوم خلالها المتعلم بتشكيل تصور مستقبلي لمساره الدراسي والمهني، اعتمادًا على معرفة الذات، وفهم بنية النظام التعليمي، واستيعاب شروط العالم المهني والاجتماعي.
ويقوم المشروع الشخصي على ثلاث ركائز كبرى:
الوعي بالذات: الميولات، القدرات، القيم، نمط التعلم، ونقاط القوة والضعف.
الوعي بالفرص والمسالك: طبيعة الشعب، شروط الولوج، آفاق التكوين، وإمكانات الإدماج المهني.
القرار والتخطيط: تحديد أهداف، بناء خطوات، وضبط بدائل واقعية.
وتكمن أهميته في كونه يحوّل التعلم من فعل مدرسي محكوم بمنطق الامتحان إلى فعل موجَّه بمنطق المعنى، كما يعزز الاستمرارية ويحد من التشتت والعشوائية في لحظات الاختيار.

2. المعدّل الدراسي المرتفع: مؤشر تحصيل أم معيار انتقائي؟
يشكل المعدل الدراسي أحد أهم أدوات التقويم في المدرسة الحديثة، ويؤدي وظائف متعددة، من بينها:
قياس مستوى التحصيل في زمن محدد.
ترتيب المتعلمين ضمن سياق تنافسي.
دعم آليات الانتقاء في المؤسسات ذات الطاقة الاستيعابية المحدودة.
غير أن المبالغة في الاعتماد على المعدل كمؤشر وحيد للنجاح تطرح إشكالات تربوية، ذلك أن المعدل غالبًا ما يقيس جانبًا من الكفايات المعرفية، بينما لا يعكس بالضرورة المهارات العرضانية والشخصية (كالقدرة على التواصل، المرونة، حل المشكلات، الاستقلالية). كما أن تفاوت شروط التعلم بين المتعلمين يجعل من المعدل مؤشرًا غير كافٍ لتفسير النجاح المستقبلي.

3. اختلالات تقديم المعدّل على المشروع الشخصي
إن تقديم المعدّل المرتفع بوصفه غاية نهائية قد يفضي إلى اختلالات على مستويات متعددة:

1.3 اختيارات غير منسجمة مع الهوية الدراسية
قد يلجأ المتعلم إلى اختيار شعب أو مسارات لا تتوافق مع ميولاته وقدراته، فقط لأنها ترتبط بالرمزية الاجتماعية أو تتطلب معدلات مرتفعة، مما يؤدي إلى ضعف الاندماج داخل التكوين لاحقًا وارتفاع احتمالات إعادة التوجيه.

2.3 الضغط النفسي وتراجع الدافعية الذاتية
تؤدي المنافسة الحادة إلى تكريس ثقافة الخوف من الفشل، وإلى تحويل التعلم إلى عبء نفسي مستمر. ومع تكرار الإحباطات، قد تتراجع الدافعية الداخلية ويصبح المتعلم أسيرًا لرهان النقطة بدل رهانه على بناء الذات.

3.3 نجاح مدرسي هشّ
قد يحقق المتعلم معدلات مرتفعة في مرحلة معينة، لكنه يفتقد تصورًا واضحًا لمستقبله، مما يجعل نجاحه غير محصّن عند الانتقال إلى مراحل أكثر تعقيدًا في التعليم العالي أو عند مواجهة متطلبات سوق الشغل.

4. اختلالات تقديم المشروع الشخصي بمعزل عن شروط الإنجاز
في الاتجاه المقابل، فإن بناء مشروع شخصي طموح دون مراعاة شروط التحصيل ومتطلبات الانتقاء قد ينتج عنه بدوره اختلالات تربوية، من أبرزها:
بناء أهداف غير قابلة للتحقق ضمن الزمن المدرسي المتاح.
صدمة نفسية عند لحظة الانتقاء وما يصاحبها من إحباط وفقدان الثقة.
بناء مشروع طموح على مستوى التمثلات، مع غياب التخطيط الإجرائي وشروط التحقيق المدرسي، مما يجعل المشروع أقرب إلى تصور نظري غير قابل للتنزيل.
وعليه، فإن المشروع الشخصي لا يكتسب قيمته التربوية إلا إذا ارتبط بالقدرة على تحويل الطموح إلى مسار عملي مبني على مؤشرات الإنجاز والكفاية.

5. نحو تصور تكاملي: المشروع بوصفه إطارًا مرجعيًا والمعدل بوصفه شرطًا وظيفيًا
تخلص هذه الورقة إلى أن السؤال لا ينبغي أن يُطرح بمنطق المفاضلة بين المشروع والمعدل، بل بمنطق التكامل. فالمشروع الشخصي يمنح للتعلمات معنى واتجاهًا، بينما يظل المعدل أداة وظيفية لفتح فرص الولوج داخل هذا الاتجاه.
وبذلك يمكن صياغة المبدأ التوجيهي التالي:
المشروع الشخصي يحدد الوجهة، والمعدل المرتفع يحدد درجة النفاذ إلى الفرص داخل تلك الوجهة.
هذا التكامل يسمح بإعادة توجيه الجهد المدرسي نحو أهداف ذات معنى، بدل استنزافه في تحقيق معدلات مرتفعة داخل مسارات غير متسقة مع الذات.

6. استراتيجية المسارات المتوازية: آلية تربوية لتقليص آثار الاستقطاب المحدود
تعد استراتيجية “المسارات المتوازية” من المقاربات المعاصرة الناجعة في التوجيه التربوي، حيث تقوم على بناء ثلاثة مستويات من الاختيارات:​
  • مسار رئيسي طموح يتطلب معدلات مرتفعة.​
  • مسار بديل قريب يضمن الاستمرارية داخل نفس المجال العام.​
  • مسار احتياطي واقعي يحمي المتعلم من الانقطاع أو الهدر المدرسيين.​
وتضمن هذه الاستراتيجية مرونة الاختيار، وتقلل من صدمات الإقصاء، كما تعزز قدرة المتعلم على إعادة بناء مشروعه في ضوء المعطيات الواقعية.

7. دور المؤسسة التعليمية والتوجيه التربوي
إن تحقيق التوازن بين المشروع الشخصي والمعدل يتطلب تدخلًا مؤسساتيًا منظمًا، يتمثل في:​
  • إدماج التوجيه كخدمة مستمرة داخل الحياة المدرسية.​
  • تمكين المتعلم من أدوات معرفية حول المسالك ومعايير الانتقاء.​
  • تنمية الكفايات الذاتية (تنظيم الوقت، التعلم الذاتي، التخطيط).​
  • تقديم دعم نفسي وتربوي لتدبير الضغط التنافسي.​
  • إشراك الأسرة في بناء تصور متوازن حول النجاح.​

خاتمة
يُظهر التحليل أن اختزال النجاح في المعدل وحده أو في المشروع وحده يؤدي إلى اختيارات غير متوازنة وإلى هشاشة في المسار. فالمعدل المرتفع شرط واقعي في زمن الاستقطاب المحدود، لكنه لا يضمن نجاحًا مستدامًا دون مشروع شخصي يمنح للإنجاز معنى واتجاهًا. وفي المقابل، فإن المشروع الشخصي لا يتحقق دون استثمار فعلي في التعلمات الأساسية التي ترفع من حظوظ الولوج إلى المسارات المرغوبة.
وعليه، فإن الرهان الحقيقي للتوجيه التربوي المعاصر يتمثل في بناء نموذج تكاملي يجعل من المشروع الشخصي إطارًا مرجعيًا، ومن المعدل أداة وظيفية لخدمة هذا الإطار، بما يضمن للمتعلمين مسارات أكثر اتساقًا واستقرارًا.

توصيات علمية وتربوية قابلة للتنزيل
1. إدماج بناء المشروع الشخصي ضمن التعلمات عبر أنشطة مهيكلة في كل مستوى دراسي.
2. اعتماد استراتيجية المسارات المتوازية كقاعدة منهجية لتقليل صدمات الانتقاء.
3. تقوية مهارات التعلم الذاتي والتنظيم باعتبارها شرطًا لتحسين المعدل دون استنزاف نفسي.
4. إرساء آليات للدعم النفسي داخل المؤسسات للحد من القلق والاحتراق الدراسي المرتبط بالمنافسة.
5. تطوير خدمات التوجيه الرقمي لضمان تكافؤ الفرص وتقريب المعلومة من المتعلمين.
6. تنظيم لقاءات دورية مع الأسر لتصحيح تمثلات النجاح وإدماج الأسرة كشريك في التوجيه.
7. الانتقال نحو تقويم متعدد الأبعاد يأخذ بعين الاعتبار الكفايات العرضانية، وليس النقطة فقط.
8. تفعيل خلايا اليقظة داخل المؤسسات لرصد التعثرات مبكرًا وربطها بخطة مواكبة.​

محمد بكنزيز - أكادير - فبراير 2026​
 
عودة
أعلى