ismagi

المدرسة المتعلمة ومدرسة الريادة: قراءة متقاطعة في أفق تجويد الإصلاح التربوي عبد العزيز سنهجي

الاستاذ

مشرف منتدى tawjihnet.net
طاقم الإدارة
المدرسة المتعلمة و مدرسة الريادة: قراءة متقاطعة في أفق تجويد الإصلاح التربوي
بقلم ، عبد العزيز سنهجي
المدرسة المتعلمة و مدرسة الريادة قراءة متقاطعة في أفق تجويد الإصلاح التربوي.jpg

يشكل النقاش حول نماذج الإصلاح التربوي اليوم لحظة نظرية ومنهجية دقيقة، تتطلب قدرا كبيرا من اليقظة العلمية والإنصات العميق للميدان. فمدارسة نموذجين من نماذج الإصلاح، المتعلقان بالمدرسة المتعلمة ومدرسة الريادة، في إطار قراءة متقاطعة، لا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها مفاضلة بين تصورين متعارضين، بل باعتبارها أفقا لإنتاج أفكار واقتراحات قادرة على الإسهام في تطوير الممارسة وتجويدها. إن مخرجات هذا النقاش، إذا ما تأسست على تحليل رصين ومعطيات ميدانية دقيقة، يمكن أن تكون ذات بعد تطوري وتجديدي، خاصة في سياق يخضع فيه مشروع مؤسسات الريادة إلى تقييم مستمر ومتواصل.

إن أي نموذج إصلاحي، مهما بلغت درجة طموحه، لا يمكن أن يكون نموذجا ساكنا أو مغلقا، بل ينبغي أن يتضمن في بنيته الداخلية آليات للنماء والتطوير الذاتي. ومن ثم فإن توسيع مقاربة مؤسسات الريادة وضمان ديمومتها يستدعي استلهام نماذج ملهمة قادرة على إغنائها وتعميقها. كما أن كل مقاربة مقارنة في المجال التربوي ينبغي أن تظل ضمن دائرة اليقظة الاستباقية والاستشرافية، وأن تتعامل مع مشاريع الإصلاح باعتبارها فرضيات عملية تظل صدقيتها رهينة بالمعطيات الصاعدة من الميدان. فالتقييم المنتظم والضبط المستمر يظلان المرجع الأساس في الحكم على نجاعة أي نموذج وفعاليته. وفي مجال التربية والتكوين لا وجود ليقينيات مطلقة، بل مقاربات تحاول استيعاب تعقد الواقع واستشراف تحولات المستقبل، وهو ما يفرض على الفاعلين قدرا كبيرا من الانصات والتواضع حتى في حالات الاختلاف.

في هذا الإطار يبرز مفهوم المدرسة المتعلمة باعتباره امتدادا لفكرة المنظمة المتعلمة، كما بلورها عدد من المنظرين في حقل سوسيولوجيا التنظيمات وعلوم التدبير التربوي. فلم يعد ينظر إلى المدرسة باعتبارها مجرد فضاء لنقل وتخزين المعارف، بل باعتبارها مؤسسة دينامية تتعلم باستمرار، وتعيد بناء نماذجها وممارساتها في ضوء التحولات المجتمعية والمعرفية والتكنولوجية والمهنية. ويعد "بيتر سنج"، من خلال كتاباته، أحد أبرز المؤسسين لنظرية المنظمة المتعلمة، حيث أكد على مركزية التفكير النسقي في فهم أداء المؤسسات. فالمؤسسة، وفق هذا التصور، لا يمكن تحليلها من خلال عناصرها المنفصلة، بل باعتبارها نسقا مترابطا تتفاعل فيه القيادة والمناهج والثقافة التنظيمية وأساليب التدريس. في السياق المدرسي يعني ذلك أن نتائج التعلم لا تفسر بإرجاع الإخفاق إلى عنصر واحد، بل بفهم شبكة العلاقات المؤثرة في الأداء.

كما يركز "بيتر سنج" على المهننة والإتقان الشخصي باعتبارهما ركيزة للتعلم المؤسسي، إذ يشجع الفاعلين على تطوير قدراتهم باستمرار، وهو ما يجعل التعلم المهني المستمر للمدرسين شرطا بنيويا في المدرسة المتعلمة. ويدعو كذلك إلى مساءلة النماذج الذهنية الجاهزة التي توجه السلوك، لأن الافتراضات المسبقة، مثل الاعتقاد بعدم قدرة بعض المتعلمين، قد تتحول إلى عوائق بنيوية أمام أي إصلاح. ويضع الرؤية المشتركة والتعلم الجماعي في صلب التحول المؤسسي، بحيث تبنى المدرسة مشروعا تربويا متقاسما يعزز الالتزام الجماعي ويحول المشكلات إلى فرص للتحسين.

من جهته ينقل "مايكل فولان" النقاش من مستوى التنظير إلى مستوى قيادة التغيير داخل المؤسسة، مؤكدا أن التغيير في المجال التربوي هو عملية ثقافية قبل أن يكون إجراء إداريا. فلا يكفي تعديل القوانين أو المناهج، بل ينبغي إحداث تحول في ثقافة العمل وفي أنماط التفاعل داخل المدرسة. ويبرز فولان أهمية القيادة التشاركية ومجموعات التعلم المهنية باعتبارها آليات لتحسين نتائج المتعلمين من خلال تحليل جماعي للممارسات وتقويمها. فالمدرسة المتعلمة، في هذا المنظور، لا تنتظر حلولا جاهزة من الخارج، بل تدير التغيير من الداخل عبر دورة مستمرة من التخطيط والتنفيذ والتقويم.

أما الجذور الفلسفية للمفهوم فتجد امتدادها في فكر جون ديوي الذي رسخ مبدأ التعلم عبر الخبرة، وربط التعليم بالممارسة الحية والديمقراطية والحوار والتفكير النقدي. فالمعرفة، وفق ديوي، لا تبنى بالتلقين بل بالتجربة، والمدرسة فضاء للمشاركة ولتنمية القدرة على التساؤل والتحليل. وبهذا المعنى فإن المدرسة المتعلمة تستند إلى أساس فلسفي يجعل التعلم عملية نشطة وتشاركية، ويجعل من كل فاعل داخل المؤسسة شريكا في إنتاج المعرفة التربوية.

على المستوى الوطني، تتقاطع هذه الرؤى مع مضامين الميثاق الوطني للتربية والتكوين والرؤية الاستراتيجية، ومع ما تضمنته وثيقة "المدرسة الجديدة" الصادرة سنة 2024، التي قدمت تصورا للمدرسة باعتبارها مؤسسة متعلمة ذات قرار شفاف ومسؤول. فهذه الوثيقة تؤكد على تمكين الفاعلين الميدانيين من المبادرة والابتكار، وعلى قيادة التغيير من الداخل بدل الاكتفاء بتنزيل نصوص أو مشاريع مركزية. كما تدعو إلى تغيير نسقي وقطائع جريئة عند الضرورة، وإلى جعل النموذج البيداغوجي الجديد في قلب وظائف المدرسة، بما يضمن تجديد الممارسات الصفية وتنمية الكفايات الملائمة لعالم متحول. وتبرز في هذا التصور أربعة أبعاد مترابطة هي التمكين المؤسسي، والقيادة التشاركية، والتغيير النسقي، والتجديد البيداغوجي، بما يجعل المدرسة المتعلمة رافعة استراتيجية لتحقيق الجودة والانصاف معا.

وعلى المستوى الدولي، يشكل تقرير "التعليم ذلك الكنز المكنون" الذي نسق أعماله جاك دلور تحت إشراف اليونسكو مرجعية أساسية، إذ أرسى أعمدة التعلم الأربعة: التعلم للمعرفة، والتعلم للعمل، والتعلم للعيش معا، والتعلم لنكون. هذه الأعمدة تؤكد أن المدرسة ليست فضاء لتلقين المعارف فقط، بل مؤسسة للتعلم مدى الحياة، ولتنمية المهارات والقيم والشخصية المتكاملة. كما يدعو التقرير إلى تجديد أدوار المدرسين ليصبحوا ميسرين للتعلم، وهو ما يعزز فكرة المدرسة المتعلمة بوصفها فضاء للتجدد المستمر.

في مقابل ذلك برز نموذج مدرسة الريادة باعتباره مشروعا إصلاحيا تطبيقيا يركز أساسا على تجويد التعلمات الأساسية، وتطوير المقاربات البيداغوجية، والحد من الهدر المدرسي، وتحقيق الانفتاح خاصة في السلك الإعدادي. وإذا كانت المدرسة المتعلمة تقدم تصورا نسقيا تنظيميا يعيد تعريف موقع المؤسسة داخل المنظومة ويركز على الحكامة والاستقلالية، فإن مدرسة الريادة تنطلق من منطق تحسين الأداء والنتائج في أفق تحقيق أثر سريع وملموس.

ورغم هذا الاختلاف في العمق النظري والأفق الزمني، فإن بين النموذجين نقاط التقاء واضحة. فكلاهما يروم تحسين جودة التعلمات، ويضع المؤسسة في مركز الفعل الإصلاحي، ويؤكد على أهمية التكوين المستمر والمواكبة المهنية، وعلى ضرورة التتبع والتقييم وقياس الأثر والتحسين المستمر. غير أن درجة الاستقلالية تظل نقطة افتراق بارزة، إذ تعتمد مدرسة الريادة على توجيه مركزي وبروتوكولات موحدة، في حين تؤكد المدرسة المتعلمة على استقلالية تنظيمية أوسع وعلى مشروع تربوي خاص بكل مؤسسة. كما يختلف منطق التغيير بين تحسين بيداغوجي تدريجي في حالة الريادة، وتغيير نسقي يعيد توزيع السلطة ويبني حكامة تشاركية في حالة المدرسة المتعلمة.

في هذا السياق تطرح مسألة المواكبة داخل مؤسسات الريادة أسئلة منهجية دقيقة تتعلق بطبيعتها وأهدافها وحدودها. فالمواكبة، لكي تكون ذات أثر حقيقي، ينبغي أن تستند إلى إطار مرجعي واضح يحدد موضوعها وأدواتها وتوقيتها ومخرجاتها المتوقعة، وأن تقوم على احترازات علمية ومنهجية وأخلاقية دقيقة. كما ينبغي تحديد حدودها حتى لا تتحول إلى آلية مراقبة أو وصاية تقيد المبادرة، بل تظل أداة تمكين ودعم وبناء قدرات. ويستدعي ذلك الانتباه إلى بعض المنزلقات التي قد ترصد ميدانيا، مثل الشكلانية في التتبع، أو التركيز على المؤشرات الكمية دون تحليل نوعي عميق، أو إضعاف الثقة بين الفاعلين.

إن القراءة المتقاطعة بين المدرسة المتعلمة ومدرسة الريادة لا تنتهي إلى حكم تقويمي نهائي، بل تفتح أفقا للتكامل الممكن بين منطق الأداء ومنطق التعلم المؤسسي؛ حيث يمكن القول إن مدرسة الريادة تتحرك داخل براديغم الفعالية والتحسين القابل للقياس، بينما تتحرك المدرسة المتعلمة داخل براديغم التعلم الجماعي والتحول النسقي. الأولى تركز على ماذا نحقق من نتائج، والثانية تركز على كيف نتعلم كمؤسسة لكي نستمر في تحقيق النتائج.

وعليه، فمدرسة الريادة يمكن أن تستفيد من تعميق بعدها النسقي ومن تعزيز استقلالية المؤسسة وثقافة التعلم الجماعي، في حين تمنحها المدرسة المتعلمة أفقا استراتيجيا طويل المدى يؤسس لثقافة مؤسسية قادرة على التجدد الذاتي. وفي المقابل، قد تستفيد المدرسة المتعلمة من آليات القياس الدقيقة ومن دينامية النتائج السريعة التي يوفرها منطق الريادة. وفي هذا التفاعل الخلاق يكمن أفق إصلاح تربوي أكثر توازنا، يزاوج بين الفعالية الآنية والبناء الثقافي العميق، وبين تجويد التعلمات وبناء مؤسسة قادرة على التعلم من ذاتها وقيادة التغيير في زمن التحولات المتسارعة.​
عبد العزيز سنهجي- فبراير 2026
 
عودة
أعلى