ismagi

المدرسة بين ضغط الأداء وبوادر الاحتراق النفسي قراءة سوسيولوجية في تحولات الفضاء التعليمي

ab youssef

مشرف منتدى tawjihnet.net
طاقم الإدارة
المدرسة بين ضغط الأداء وبوادر الاحتراق النفسي
قراءة سوسيولوجية في تحولات الفضاء التعليمي

بقلم: عبد العزيز سنهجي
المدرسة بين ضغط الأداء وبوادر الاحتراق النفسي قراءة سوسيولوجية في تحولات الفضاء التعليمي عبد ا...jpg
بدأت تشهد جل الأنظمة التعليمية خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة مست مختلف مكوناتها ونماذج اشتغالها، أعادت رسم حدود الفعل التربوي ووسعت، بشكل غير مسبوق، انتظارات المجتمع من المدرسة. وقد أفضت هذه التحولات إلى وضع المدرسة تحت ضغط متزايد انعكس بوضوح على مختلف الفاعلين داخلها، مرورا بالمتعلمات والمتعلمين، ووصولا إلى أولياء الأمور. ولم تعد المدرسة مجرد فضاء لتنمية القدرات الفكرية، بل أضحت مؤسسة مثقلة بتوقعات اجتماعية ونفسية واقتصادية متنامية، الأمر الذي ساهم في بروز ما يمكن وصفه ببواد احتراق نفسي جماعي داخل البيئة التعليمية. ويزداد هذا الوضع تعقيدا مع تنامي مظاهر ضعف التركيز وتشتت الانتباه لدى عدد متزايد من التلاميذ، في سياق مرقمن سريع الإيقاع يعيد تشكيل العلاقة بالمعرفة وبزمن التعلم. وقد أبرزت العديد من الدراسات الحديثة أن المدرسة، التي يفترض أن تشكل فضاء للاندماج والتطور والنماء الفردي والارتقاء المجتمعي، تحولت تدريجيا إلى مصدر توتر دائم نتيجة تراكم الضغوط المرتبطة بالأداء والتقييم والنجاح الدراسي وضعف التركيز. ويرتبط هذا الوضع بشكل وثيق بتصاعد ثقافة التقييم المستمر التي أصبحت عنصرا مركزيا في المنظومات التعليمية الحديثة. فالتلاميذ يخضعون لسلسلة متواصلة من الاختبارات والقياسات التي تجعل من النتائج الرقمية معيارا شبه وحيد للحكم على قدراتهم ومستقبلهم الدراسي.

غير أن الضغط لم يعد مرتبطا بالعلامات والمؤشرات فقط، بل بتنامي منطق التخطيط الاستباقي المبكر للمسار الدراسي، حيث يتحول كل اختيار مدرسي إلى قرار مصيري، مما يضع المتعلمين في حالة يقظة دائمة تجاه مستقبلهم الاجتماعي. هذا التركيز المفرط على الأداء يعزز الشعور بالخوف من الفشل ويضع المتعلمين في حالة تنافس دائم، مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات القلق وفقدان الدافعية الداخلية للتعلم. ومع مرور الوقت يصبح النجاح الدراسي مرتبطا بالضغط النفسي أكثر من ارتباطه بالفضول المعرفي أو الرغبة في اكتساب المعرفة، وهو ما ينعكس سلبا على الصحة النفسية للمتعلمين وعلى علاقتهم بالمدرسة.

كما ساهمت التحولات الرقمية في تعميق هذا الضغط، إذ أدت منصات القيادة والتتبع المدرسي والاطلاع الفوري على النتائج والمؤشرات إلى تقليص المسافة النفسية بين المدرسة والأسرة، بحيث أصبح الأداء الدراسي خاضعا لمراقبة مستمرة تتجاوز الزمن المدرسي نفسه. وبهذا المعنى لم يعد التلميذ يغادر فضاء التقييم عند انتهاء الحصص، بل يستمر الشعور بالمحاسبة داخل المجال الأسري، مما يعزز الإحساس بالضغط الدائم ويحول التجربة التعليمية إلى تجربة مراقبة مستمرة.

الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فالملاحظ أن جزءا متزايدا من الصعوبات الصفية لم يعد ناتجا عن ضعف تملك الكفايات الأساسية، وإنما عن تراجع القدرة على التركيز والانتباه داخل فضاءات التعلم، مما يجعل الحفاظ على الانتباه تحديا يوميا يرهق الجميع على حد سواء. وبهذا تكون المدرسة قد دخلت مرحلة جديدة يمكن وصفها بمرحلة اقتصاد الانتباه، حيث أصبح انتباه المتعلم موردا متنازعا عليه بين المدرسة والبيئة الرقمية المحيطة به، مما بدأ يساهم في تشكيل آليات الاشتغال العصبي لدماغ المتعلم. ونتيجة لذلك، يصل عدد من المتعلمين إلى القسم وهم في حالة إنهاك انتباهي مسبق، غير قادرين على الانخراط في تعلم يتطلب زمنا بطيئا وجهدا تراكميا.

ولا يقتصر هذا الضغط على المتعلمين فقط، بل يمتد بقوة إلى هيئة التدريس الذين يواجهون بدورهم تحولات عميقة في طبيعة مهنتهم. فقد ازدادت الأعباء الإدارية والتنظيمية المفروضة عليهم، في الوقت الذي ارتفعت فيه التوقعات المجتمعية المرتبطة بنتائج التلاميذ وأدائهم. ويجد الأستاذ نفسه مطالبا بأدوار متعددة لإدارة أقسام أكثر تعقيدا سلوكيا ونفسيا، تتجاوز التعليم لتشمل الدعم النفسي والتربوي والاجتماعي والحفاظ على تركيز وانتباه متعلمين اعتادت أدمغتهم الانتقال السريع بين المثيرات. وبذلك تتحول إدارة القسم من مسألة بيداغوجية صرفة إلى عملية إعادة بناء تدريجية لقدرة المتعلم على التركيز، أي إلى عمل تربوي-عصبي غير معلن، دون توفر الموارد الكافية أو الاعتراف المهني اللازم، فضلا عن تنامي الإحساس بعدم الحماية الرمزية وتزايد الضغوط المجتمعية والرقابية المفروضة على المهنة. هذه الوضعية تؤدي إلى شعور متزايد بالإرهاق العاطفي والاستنزاف المهني والإحساس بفقدان المعنى الوظيفي، وهو ما يشكل أحد أهم مظاهر الاحتراق النفسي في المهن التربوية اليوم.

كما تكشف التحليلات السوسيولوجية أن المدرسة لا تعمل فقط كمؤسسة تعليمية محايدة، بل تساهم أحيانا في إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية. ففرص النجاح الدراسي تبقى مرتبطة جزئيا بالخلفية الاجتماعية والثقافية للمتعلمين، الأمر الذي يجعل بعض الفئات أكثر عرضة للفشل والضغط النفسي. وفي ظل نظام تقييم صارم وموحد، يجد التلاميذ الذين لا يمتلكون نفس الموارد الاجتماعية والمعرفية صعوبة أكبر في التكيف مع متطلبات المدرسة، مما يعزز الشعور بعدم الإنصاف ويزيد من حدة التوتر داخل الوسط التعليمي، خاصة عندما يتحول النجاح المدرسي إلى شكل من أشكال الاستثمار في ما يسمى بالرأسمال البشري، حيث ينظر إلى المسار التعليمي باعتباره آلية لرفع القيمة الاقتصادية للفرد داخل المجتمع.

وبالرغم تعدد الإصلاحات التربوية التي شهدتها الأنظمة التعليمية خلال العقود الأخيرة، إلا أن نتائجها غالبا ما تبقى محدودة بسبب غياب رؤية شمولية طويلة المدى. فالإصلاحات غالبا ما تركز على تعديل البرامج أو طرق التقييم دون معالجة ظروف وشروط العمل الفعلية داخل المؤسسات التعليمية أو إعادة التفكير في الأهداف العميقة للتعليم. هذا التغير المستمر في السياسات التعليمية يولد حالة من عدم الاستقرار المهني ويزيد من شعور الفاعلين التربويين بالإرهاق والإحساس بغياب الجدوى، ويعكس في العمق انتقال المدرسة من نموذجها الكلاسيكي القائم على الاندماج الثقافي والاجتماعي إلى نموذج جديد تحكمه اعتبارات الأداء والانتقاء والحفاظ على التركيز.

في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في فلسفة التعليم نفسها، من خلال تقليل مركزية التقييم الكمي وإعطاء أهمية أكبر لمسار التعلم الفردي ولتنوع قدرات المتعلمين. كما يتطلب تخفيف الضغط داخل المدرسة تعزيز مناخ تعليمي قائم على التعاون بدل المنافسة، ومنح الأساتذة هامشا أوسع من الاستقلالية المهنية بما يسمح لهم بتكييف الممارسات التعليمية مع واقع أقسامهم. ويشكل الاهتمام بالصحة النفسية والذهنية داخل المدرسة عنصرا أساسيا في أي مشروع إصلاح حقيقي، باعتبار أن جودة التعلم ترتبط ارتباطا وثيقا بالشعور بالأمان النفسي والإحساس بالانتماء للبيئة التعليمية.

إن أزمة الاحتراق النفسي في المدرسة لا يمكن فهمها باعتبارها مشكلة فردية تخص بعض الأساتذة أو المتعلمين فقط، بل هي انعكاس لتحولات اجتماعية أعمق فرضت على المدرسة أدوارا متناقضة تجمع بين متطلبات الأداء الاقتصادي وحاجات التنمية الإنسانية وتدبير التوترات مع المجتمع. ومن ثم فإن مستقبل المؤسسة التعليمية يظل رهينا بقدرتها على تحقيق توازن جديد يعيد الاعتبار للبعد الإنساني في عملية التعلم، ويجعل من المدرسة فضاء للنمو الفكري والنفسي والذهني معا، لا مجرد مؤسسة لإنتاج النتائج والأداءات القابلة للقياس. وعليه، يظل السؤال الأعمق مطروحا: هل ستنجح المدرسة في إعادة تعريف رسالتها داخل مجتمع سريع التحول، من خلال إعادة التفكير في نماذج التقييم وأساليب التعلم بما يحررها نسبيا من ضغوطات الأداء وأزمة الاحتراق النفسي، أم ستظل أسيرة نموذج تعليمي يختزل النجاح في مؤشرات رقمية؟
عبد العزيز سنهجي- مارس 2026​
 
عودة
أعلى