من أجل إحداث جامعة بإقليم تنغير
مقال الرأي : حمزة الشافعي
تنغير
مقال الرأي : حمزة الشافعي
تنغير
يوما بعد آخر، تزداد الأصوات المنادية بضرورة إحداث جامعة بمدينة تنغير على غرار باقي المدن التي استفادت من الخدمات والامتيازات المهمة التي توفرها هذه المؤسسة نظرا لكونها مدخلا أساسيا لتحقيق تنمية شاملة ومتكاملة ومستدامة. إنشاء جامعة بإقليم تنغير باعتباره مجالا شاسعا وبعيدا عن المراكز والمدن الجامعية الأخرى هو ضرورة تنموية، إستراتيجية وشاملة، من شأنها أن تُنسي سكان الإقليم عقودا طويلة من "التهميش المُفرط" في كل المجالات (ثقافية، معرفية، بحثية، اقتصادية، تنموية، اجتماعية...)، ومن شأنها كذلك أن تُخلص طلبة الإقليم من "ماراثونات التنقل" إلى المدن الجامعية البعيدة والتيه النفسي-المادي-الاجتماعي في أحيائها المتناثرة. فكيف إذن سَيُسْهم إحداث جامعة في تنمية شاملة ومستدامة لإقليم تنغير؟ وكيف سَتُغَذي تلك المؤسسة المُهمة حاجيات المنطقة المتزايدة والمستقبلية من "الأمن" الثقافي-المعرفي والاجتماعي-النفسي والاقتصادي-التنموي والرمزي-القيمي؟
1) التنمية الثقافية والمعرفية:
تعتبر "صناعة المعرفة" ونشر آلياتها وبذورها مدخلا أساسيا لتحقيق التنمية الذاتية والمجتمعية للأفراد والجماعات. فالمجتمع المُؤَسس على حُب المعرفة والبحث الدائم عنها مجتمع ديناميكي ايجابي ومنتج لأصناف متجددة من المعرفة أكثر فعالية وتلائما مع المحيط السوسيو-ثقافي-اقتصادي. في هذا الصدد، تتجلى الضرورة المُلِحة لإنشاء جامعة بإقليم تنغير للقطع مع الركود الفكري والعلمي والثقافي الذي ترزح تحت وطأته المنطقة. فالإقليم في أمس الحاجة إلى استفاقة ونهضة وحركية ثقافية ومعرفية تنموية مُسْتدامة ومُوَاطِنة. والحال أن من بين أبرز العوامل المحورية المتحكمة والمنتجة لحالة الركود كهذه هو خلو الفضاء رغم شَسَاعَتِه وإيوائه لكثافة سكانية كبيرة من مراكز النهضة والتربية والإشعاع ذات الصبغة الثقافية والمعرفية والبحثية؛ والجَامِعَة بلا شك هي "أُم" و "عماد" هذه المراكز وسَبَبُ وُجُودِهَا وضَامِنة استمرارها وانتشارها وحيويتها. فباستثناء بعض دور الشباب التي لا تزال تسابق جحافل كبيرة من "السبات المعرفي " و"الاحتضار الثقافي" المحيطة بها، إلى جانب المدارس والثانويات التابعة لوزارة التعليم التي خَفَتَ دَوْرُها التثقيفي والتوعوي بشكل مهول، نظرا لانفصالها المُوَجه مع بيئتها واقتصارها على عملية تلقين المناهج بطرق لا تحليلية ولا نقدية حيث ينتفي فيها عنصر التفاعل مع المحيط مما يؤدي إلى عدم التناغم مع الشروط الاجتماعية والثقافية المحيطة بها، يظل إقليم تنغير تحت حِصَار "هُزَال ثقافي-معرفي" مُدْقِع. ويظل المَخْرَج الآمن والفعال من هذه الوضعية هو إحداث جامعة بالمنطقة.
2) التنمية الاقتصادية والربط المجالي (إقليميا وجهويا):
إلى جانب المساهمة الثقافية والمعرفية التي سيقدمها إحداث جامعة بإقليم تنغير لفائدة المنطقة، فإن مؤسسة حيوية من هذا النوع سَتقود دون شك إلى "فتح اقتصادي" كاسح للإقليم بعدما صارت العزلة المجالية والتنموية والخدماتية مرادفا لصيقا بإقليم شاسع، غني (بشريا وطبيعيا وسياحيا) وفقير الوقت نفسه (تنمويا واقتصاديا). القول بأن إحداث جامعة بتنغير من شأنه تحقيق الفتح الاقتصادي للمدينة مرده إلى الواقع والحركية والتنمية والآفاق الاقتصادية الذي تشهدها كل المدن التي تتوفر على جامعات. لا مراء أن إنشاء جامعة بالإقليم سَيُرْغِم المسؤولين على تشييد البنيات التحتية من طرق وقناطر ومن تم تأهيل وربط المدينة بكل امتداداتها المجالية والسوسيو-اقتصادية والثقافية والطبيعية سواء على مستوى الإقليم (أسول، ألنيف، قلعة مكونة، أمسمرير)، أو على مستوى الجهة ككل (ورزازات، إمتغرن، زاكورة، ميدلت...). قس على ذلك أن المؤسسة الجامعية تستلزم إحداث مرافق مُوازية وضرورية لها كَدُورِ إقامة الطلبة والمستوصفات الجامعية ومحطات النقل والمستشفى الإقليمي. هذا الأخير، يَبْقى شَبَحًا يُطِل من نافذة كوابيس وآلام ومعاناة وأسقام ساكنة الإقليم، ولعل مطلبا شاملا ومركبا كإنشاء جَامِعَة يَكُونُ مَرْفوقا بمستشفى يضم جميع التخصصات قد يُحَول حُلما كبيرا لساكنة أكْبَر إلى حقيقة. إحداث جامعة بإقليم تنغير سَيَخْلُقُ كذلك دينامكية كبيرة في مجال البناء والأوراش الخدماتية المباشرة بالمنطقة وسيمكن اليد العاملة المحلية من فرص مُضَاعَفة للشغل ومن ثم التخفيف من الهشاشة المادية والاجتماعية الناتجتين عن الركود الاقتصادي والبطالة، دون أن نَنْسَى الحركية الاقتصادية التي ستتمخض عن الاحتفاظ بطلبة المنطقة ونواحيها من خلال إيجار واكتراء شقق الإقامة، التنقل من وإلى المؤسسة الجامعية، الخدمات الاستهلاكية والتغذية، المطابع ونسخ الكتب ...
3) البعد الاجتماعي و المادي و الإنساني:
يُعتبر البعد الاجتماعي عنصرا أساسيا في مشروع إحداث جامعة بإقليم تنغير. فإنشاء مؤسسة حيوية مثل الجامعة في هذا المجال الجغرافي البعيد والمعزول سَيُحَرر المئات من طلبة المنطقة ونواحيها من مصاريف التنقل والكراء والدراسة الباهظة في المدن الجامعية البعيدة عن مدينة تنغير كمراكش وأكادير والرباط ومكناس الخ. كما سَيُحَرر عائلات هؤلاء الطلبة من الهواجس النفسية المتعددة الناتجة عن إرسال أبناءهم وبناتهم إلى مدن جامعية تبعد بمئات الكيلومترات عن مدينة تنغير مع خصوصيات ثقافية وأنماط عيش مختلفة قد تؤثر سلبا على عملية الاندماج وعلى عملية المُواكبة المباشرة والتأطير الإيجابي عن قرب من طرف عائلاتهم، لِتفادي كل أصناف الانحراف الأخلاقي والتطرف الفكري والانسلاخ الثقافي الناتج عن إملاءات المُعْطى السوسيو-ثقافي-اقتصادي الجديد. يُضاف إلى ذلك كله كَوْن معظم العائلات والأسر بالإقليم فقيرة قلما تساير الاحتياجات المادية التي تفرضها عملية التدريس الجيد لأبنائها، أخذا بعين الاعتبار الحصار غير المبرر الذي ما زال يعاني منه طلبة الإقليم فيما يَخُص الاستفادة من المنح الدراسية الهزيلة وخطوط النقل الجامعي المنعدم. فلا عجب أن نجد أن المئات منهم حرموا من الدراسة الجامعية نظرا لحرمانهم من المنحة من جهة وعدم قدرة أسرهم على تغطية مصاريف التكوين الجامعي من جهة أخرى، بينما يجد مئات من هؤلاء الطلبة أنفسهم مُضْطرين للمزاوجة بين العمل والدراسة، وآخرين اكتشفوا في بداية أو وسط أو قبيل متم مشوارهم الجامعي أنه لا مناص من مغادرة قاعة المحاضرات الجامعية نظرا للبعد والفقر واليأس المُتولد عن هذه الظروف وغيرها.
4) البعد الأكاديمي البحثي-التوثيقي:
لا يَقِل البُعْد الأكاديمي البحثي-التوثيقي أهمية عن باقي الأبعاد التي سبق ذكرها إذ انه سيأخذ مَنْحًا صِحيا وتَصَالُحِيا وتصحيحيا بإحداث جامعة بإقليم تنغير. فإنشاء هذه المؤسسة سَيَفْتَحُ المجال أمام طلبة الإقليم للقيام بأبحاث ودراسات تهم مُحِيطهم ومناطق انتمائهم بعدما كانوا مُلزمين في غالب الأحيان على الاشتغال والبحث حول جوانب وظواهر تتعلق بالمدن الجامعية المُسْتقبلة. ما أحوج إقليم تنغير وكل امتداداته الجغرافية الجنوب شرقية إلى مؤسسات ومعاهد بحثية وتوثيقية، أولا لحفظ ما تبقى من التراث غير المادي المحلي من الاندثار الرهيب والمتواصل جراء ذهاب جهود أبناءها مُكْرَهين لا مُخَيرين أدْراج خِدمة مناطق أخرى، وثانيا لتأسيس وإعداد قاعدة معرفية وثقافية وبحثية موثقة بطرق علمية وأكاديمية تأهباً للاندماج السوسيو-ثقافي التام والمتكامل، ولخلق أرضية خِصْبة واستباقية تعمل عل خلق ظروف "التحول المَرِن" والانسجام مع الأوراش والمرتكزات الكبرى التي اختارها المغرب كالجهوية الموسعة والنداء الملكي السامي للحفاظ على بالتراث الثقافي غير المادي.
خلاصة:
تتعدد العوامل والدوافع التي تُشَرْعِن مَطْلب إحداث جامعة بإقليم تنغير، ويَظل مَكْسَب تحقيق التنمية الشاملة والمتكاملة والمُسْتدامة قاسِمًا مُشْترَكًا محفزا بينها. فإنشاء مؤسسة جامعية سَيُؤَسس لعدالة مجالية فيما يخص توزيع المعرفة ووسائل إنتاجها. كما أنه سيشجع البحث والتوثيق الأكاديميين للحفاظ على الثروة الرمزية وغير المادية المحلية بعدما قضت عقود من التهميش والتجاهل والهدر و "التركيد المُمَنْهج" على جزء غير يسير منها. كما أن إنشاء مؤسسة جامعية بالإقليم سيخلق "فتحا اقتصاديا" لفائدة ساكنة المنطقة، أولا للتخفيف من حدة الهشاشة والفقر، وثانيا للحد من الآثار السلبية للهجرة بأصنافها الثلاث: داخلية، خارجية، نفسية/أنطولوجية جَراء اليأس والتهميش. بمعنى آخر، فإحداث مؤسسة جامعية بإقليم تنغير سَيُمَكن المنطقة من "آلية تأهيل" شاملة وفعالة للظفر بعصفورين في آن واحد:
1) تأهيل وبناء الإنسان (عن طريق نشر المعرفة والعلم والبحث الأكاديمي لإعادة الاعتبار للذات الجنوب شرقية بقِيَمِها الأمازيغية وأخلاقها النبيلة، ولحفظ التراث المحلي الرمزي وسبر أغواره والحفاظ عليه من خلال الكتابة والتوثيق).
2) تأهيل المجال والاقتصاد (عن طريق إنشاء بنيات تحتية حيوية ذات صلة بالجامعة كالطرق والمستشفيات وتطوير وتَجْويد و تَنْجيع وحَوْكَمَة الخدمات المؤسساتية: الإدارات، الصحة، النقل الخ).
من يملك الجامعة يملك ويساير المستقبل: مستقبل معرفي، اقتصادي، اجتماعي، رمزي-لامادي...
1) التنمية الثقافية والمعرفية:
تعتبر "صناعة المعرفة" ونشر آلياتها وبذورها مدخلا أساسيا لتحقيق التنمية الذاتية والمجتمعية للأفراد والجماعات. فالمجتمع المُؤَسس على حُب المعرفة والبحث الدائم عنها مجتمع ديناميكي ايجابي ومنتج لأصناف متجددة من المعرفة أكثر فعالية وتلائما مع المحيط السوسيو-ثقافي-اقتصادي. في هذا الصدد، تتجلى الضرورة المُلِحة لإنشاء جامعة بإقليم تنغير للقطع مع الركود الفكري والعلمي والثقافي الذي ترزح تحت وطأته المنطقة. فالإقليم في أمس الحاجة إلى استفاقة ونهضة وحركية ثقافية ومعرفية تنموية مُسْتدامة ومُوَاطِنة. والحال أن من بين أبرز العوامل المحورية المتحكمة والمنتجة لحالة الركود كهذه هو خلو الفضاء رغم شَسَاعَتِه وإيوائه لكثافة سكانية كبيرة من مراكز النهضة والتربية والإشعاع ذات الصبغة الثقافية والمعرفية والبحثية؛ والجَامِعَة بلا شك هي "أُم" و "عماد" هذه المراكز وسَبَبُ وُجُودِهَا وضَامِنة استمرارها وانتشارها وحيويتها. فباستثناء بعض دور الشباب التي لا تزال تسابق جحافل كبيرة من "السبات المعرفي " و"الاحتضار الثقافي" المحيطة بها، إلى جانب المدارس والثانويات التابعة لوزارة التعليم التي خَفَتَ دَوْرُها التثقيفي والتوعوي بشكل مهول، نظرا لانفصالها المُوَجه مع بيئتها واقتصارها على عملية تلقين المناهج بطرق لا تحليلية ولا نقدية حيث ينتفي فيها عنصر التفاعل مع المحيط مما يؤدي إلى عدم التناغم مع الشروط الاجتماعية والثقافية المحيطة بها، يظل إقليم تنغير تحت حِصَار "هُزَال ثقافي-معرفي" مُدْقِع. ويظل المَخْرَج الآمن والفعال من هذه الوضعية هو إحداث جامعة بالمنطقة.
2) التنمية الاقتصادية والربط المجالي (إقليميا وجهويا):
إلى جانب المساهمة الثقافية والمعرفية التي سيقدمها إحداث جامعة بإقليم تنغير لفائدة المنطقة، فإن مؤسسة حيوية من هذا النوع سَتقود دون شك إلى "فتح اقتصادي" كاسح للإقليم بعدما صارت العزلة المجالية والتنموية والخدماتية مرادفا لصيقا بإقليم شاسع، غني (بشريا وطبيعيا وسياحيا) وفقير الوقت نفسه (تنمويا واقتصاديا). القول بأن إحداث جامعة بتنغير من شأنه تحقيق الفتح الاقتصادي للمدينة مرده إلى الواقع والحركية والتنمية والآفاق الاقتصادية الذي تشهدها كل المدن التي تتوفر على جامعات. لا مراء أن إنشاء جامعة بالإقليم سَيُرْغِم المسؤولين على تشييد البنيات التحتية من طرق وقناطر ومن تم تأهيل وربط المدينة بكل امتداداتها المجالية والسوسيو-اقتصادية والثقافية والطبيعية سواء على مستوى الإقليم (أسول، ألنيف، قلعة مكونة، أمسمرير)، أو على مستوى الجهة ككل (ورزازات، إمتغرن، زاكورة، ميدلت...). قس على ذلك أن المؤسسة الجامعية تستلزم إحداث مرافق مُوازية وضرورية لها كَدُورِ إقامة الطلبة والمستوصفات الجامعية ومحطات النقل والمستشفى الإقليمي. هذا الأخير، يَبْقى شَبَحًا يُطِل من نافذة كوابيس وآلام ومعاناة وأسقام ساكنة الإقليم، ولعل مطلبا شاملا ومركبا كإنشاء جَامِعَة يَكُونُ مَرْفوقا بمستشفى يضم جميع التخصصات قد يُحَول حُلما كبيرا لساكنة أكْبَر إلى حقيقة. إحداث جامعة بإقليم تنغير سَيَخْلُقُ كذلك دينامكية كبيرة في مجال البناء والأوراش الخدماتية المباشرة بالمنطقة وسيمكن اليد العاملة المحلية من فرص مُضَاعَفة للشغل ومن ثم التخفيف من الهشاشة المادية والاجتماعية الناتجتين عن الركود الاقتصادي والبطالة، دون أن نَنْسَى الحركية الاقتصادية التي ستتمخض عن الاحتفاظ بطلبة المنطقة ونواحيها من خلال إيجار واكتراء شقق الإقامة، التنقل من وإلى المؤسسة الجامعية، الخدمات الاستهلاكية والتغذية، المطابع ونسخ الكتب ...
3) البعد الاجتماعي و المادي و الإنساني:
يُعتبر البعد الاجتماعي عنصرا أساسيا في مشروع إحداث جامعة بإقليم تنغير. فإنشاء مؤسسة حيوية مثل الجامعة في هذا المجال الجغرافي البعيد والمعزول سَيُحَرر المئات من طلبة المنطقة ونواحيها من مصاريف التنقل والكراء والدراسة الباهظة في المدن الجامعية البعيدة عن مدينة تنغير كمراكش وأكادير والرباط ومكناس الخ. كما سَيُحَرر عائلات هؤلاء الطلبة من الهواجس النفسية المتعددة الناتجة عن إرسال أبناءهم وبناتهم إلى مدن جامعية تبعد بمئات الكيلومترات عن مدينة تنغير مع خصوصيات ثقافية وأنماط عيش مختلفة قد تؤثر سلبا على عملية الاندماج وعلى عملية المُواكبة المباشرة والتأطير الإيجابي عن قرب من طرف عائلاتهم، لِتفادي كل أصناف الانحراف الأخلاقي والتطرف الفكري والانسلاخ الثقافي الناتج عن إملاءات المُعْطى السوسيو-ثقافي-اقتصادي الجديد. يُضاف إلى ذلك كله كَوْن معظم العائلات والأسر بالإقليم فقيرة قلما تساير الاحتياجات المادية التي تفرضها عملية التدريس الجيد لأبنائها، أخذا بعين الاعتبار الحصار غير المبرر الذي ما زال يعاني منه طلبة الإقليم فيما يَخُص الاستفادة من المنح الدراسية الهزيلة وخطوط النقل الجامعي المنعدم. فلا عجب أن نجد أن المئات منهم حرموا من الدراسة الجامعية نظرا لحرمانهم من المنحة من جهة وعدم قدرة أسرهم على تغطية مصاريف التكوين الجامعي من جهة أخرى، بينما يجد مئات من هؤلاء الطلبة أنفسهم مُضْطرين للمزاوجة بين العمل والدراسة، وآخرين اكتشفوا في بداية أو وسط أو قبيل متم مشوارهم الجامعي أنه لا مناص من مغادرة قاعة المحاضرات الجامعية نظرا للبعد والفقر واليأس المُتولد عن هذه الظروف وغيرها.
4) البعد الأكاديمي البحثي-التوثيقي:
لا يَقِل البُعْد الأكاديمي البحثي-التوثيقي أهمية عن باقي الأبعاد التي سبق ذكرها إذ انه سيأخذ مَنْحًا صِحيا وتَصَالُحِيا وتصحيحيا بإحداث جامعة بإقليم تنغير. فإنشاء هذه المؤسسة سَيَفْتَحُ المجال أمام طلبة الإقليم للقيام بأبحاث ودراسات تهم مُحِيطهم ومناطق انتمائهم بعدما كانوا مُلزمين في غالب الأحيان على الاشتغال والبحث حول جوانب وظواهر تتعلق بالمدن الجامعية المُسْتقبلة. ما أحوج إقليم تنغير وكل امتداداته الجغرافية الجنوب شرقية إلى مؤسسات ومعاهد بحثية وتوثيقية، أولا لحفظ ما تبقى من التراث غير المادي المحلي من الاندثار الرهيب والمتواصل جراء ذهاب جهود أبناءها مُكْرَهين لا مُخَيرين أدْراج خِدمة مناطق أخرى، وثانيا لتأسيس وإعداد قاعدة معرفية وثقافية وبحثية موثقة بطرق علمية وأكاديمية تأهباً للاندماج السوسيو-ثقافي التام والمتكامل، ولخلق أرضية خِصْبة واستباقية تعمل عل خلق ظروف "التحول المَرِن" والانسجام مع الأوراش والمرتكزات الكبرى التي اختارها المغرب كالجهوية الموسعة والنداء الملكي السامي للحفاظ على بالتراث الثقافي غير المادي.
خلاصة:
تتعدد العوامل والدوافع التي تُشَرْعِن مَطْلب إحداث جامعة بإقليم تنغير، ويَظل مَكْسَب تحقيق التنمية الشاملة والمتكاملة والمُسْتدامة قاسِمًا مُشْترَكًا محفزا بينها. فإنشاء مؤسسة جامعية سَيُؤَسس لعدالة مجالية فيما يخص توزيع المعرفة ووسائل إنتاجها. كما أنه سيشجع البحث والتوثيق الأكاديميين للحفاظ على الثروة الرمزية وغير المادية المحلية بعدما قضت عقود من التهميش والتجاهل والهدر و "التركيد المُمَنْهج" على جزء غير يسير منها. كما أن إنشاء مؤسسة جامعية بالإقليم سيخلق "فتحا اقتصاديا" لفائدة ساكنة المنطقة، أولا للتخفيف من حدة الهشاشة والفقر، وثانيا للحد من الآثار السلبية للهجرة بأصنافها الثلاث: داخلية، خارجية، نفسية/أنطولوجية جَراء اليأس والتهميش. بمعنى آخر، فإحداث مؤسسة جامعية بإقليم تنغير سَيُمَكن المنطقة من "آلية تأهيل" شاملة وفعالة للظفر بعصفورين في آن واحد:
1) تأهيل وبناء الإنسان (عن طريق نشر المعرفة والعلم والبحث الأكاديمي لإعادة الاعتبار للذات الجنوب شرقية بقِيَمِها الأمازيغية وأخلاقها النبيلة، ولحفظ التراث المحلي الرمزي وسبر أغواره والحفاظ عليه من خلال الكتابة والتوثيق).
2) تأهيل المجال والاقتصاد (عن طريق إنشاء بنيات تحتية حيوية ذات صلة بالجامعة كالطرق والمستشفيات وتطوير وتَجْويد و تَنْجيع وحَوْكَمَة الخدمات المؤسساتية: الإدارات، الصحة، النقل الخ).
من يملك الجامعة يملك ويساير المستقبل: مستقبل معرفي، اقتصادي، اجتماعي، رمزي-لامادي...
ملحوظة: سبق نشر هذا المقال بتاريخ شتنبر 2014...
