ismagi

التربية على الاختيار وبناء المشروع الشخصي للمتعلم في العصر الرقمي Education au choix

mohammed

مشرف منتدى tawjihnet.net
طاقم الإدارة
التربية على الاختيار وبناء المشروع الشخصي للمتعلم في العصر الرقمي
L’éducation au choix et la construction du projet personnel de l’apprenant à l’ère du numérique
مقال الكاتب : محمد بكنزيز
التربية على الاختيار وبناء المشروع الشخصي للمتعلم في العصر الرقمي Education au choix.jpg

مقدمة
أصبح المتعلم اليوم يعيش داخل عالم سريع التحول، تتغير فيه المعرفة، وتظهر فيه تخصصات جديدة، وتختفي فيه أخرى، كما تتبدل شروط النجاح الدراسي والمهني بوتيرة متسارعة بفعل الرقمنة والذكاء الاصطناعي. ولم تعد المدرسة مطالبة فقط بتقديم المعارف الأساسية، بل أصبحت مطالبة أيضًا بتكوين المتعلم ليكون قادرًا على اتخاذ قرارات واعية تخص مساره الدراسي والمهني، وعلى بناء مشروع شخصي واقعي وقابل للتطور.

في هذا السياق، تبرز التربية على الاختيار باعتبارها رهانًا تربويًا أساسيًا، لأنها تمكّن المتعلم من تعلم كيفية التفكير في مستقبله، وكيفية فهم ذاته، وكيفية التعامل مع تعدد الفرص والضغوط التي تفرضها البيئة الرقمية. فالاختيار في العصر الرقمي لم يعد مجرد إجراء إداري مرتبط بمحطة التوجيه، بل أصبح كفاية حياتية مركبة تحتاج إلى تنمية ومرافقة وتدريب مستمر.

1. الإطار المفاهيمي: التربية على الاختيار والمشروع الشخصي
1.1 التربية على الاختيار: معناها وحدودها

يمكن تعريف التربية على الاختيار بأنها عملية تربوية منظمة تهدف إلى مساعدة المتعلم على اكتساب مهارات اتخاذ القرار، خصوصًا في ما يتعلق بالمسار الدراسي والتكويني والمهني. وهي تربية لا تقوم على تقديم معلومات جاهزة، بل على تدريب المتعلم على:​
  • فهم ذاته واكتشاف ميولاته وقدراته.​
  • تحليل الخيارات المتاحة داخل المنظومة التعليمية.​
  • المقارنة بين المسارات بناءً على معايير واضحة.​
  • اتخاذ قرار مسؤول مبني على المعرفة لا على الانطباع.​
وبهذا المعنى، فالتربية على الاختيار ليست “إرشادًا” بالمعنى الضيق، بل هي تكوين يهدف إلى جعل المتعلم قادرًا على التفكير والتخطيط والتقييم.

2.1 المشروع الشخصي: من اختيار الشعبة إلى بناء المسار
أما المشروع الشخصي للمتعلم فيمكن اعتباره تصورًا يبنيه المتعلم تدريجيًا حول مستقبله، اعتمادًا على عناصر متعددة تشمل:​
  • طموحاته وتصوراته عن النجاح.​
  • قدراته الدراسية ومهاراته.​
  • شروط الواقع (التكوين، الجامعة، سوق الشغل).​
  • التحولات الاجتماعية والاقتصادية.​
والمشروع الشخصي ليس قرارًا ثابتًا ونهائيًا، بل هو مسار متغير، لأن التحول الرقمي يجعل المهن والمسارات أقل استقرارًا وأكثر قابلية للتبدل.

2. التحول الرقمي وإعادة تشكيل الاختيار
2.1 التحول الرقمي كفرصة تربوية

يوفر العصر الرقمي إمكانات كبيرة للمتعلمين تساعدهم على بناء مشروعهم الشخصي، من أبرزها:​
  • توفر المعلومات حول التخصصات والمؤسسات والآفاق المهنية.​
  • وجود منصات للتعلم الذاتي وتطوير المهارات.​
  • إمكانية التعرف على مجالات جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا.​
  • سهولة التواصل مع خبراء وطلبة ومهنيين عبر الشبكات الاجتماعية.​
وبذلك أصبح المتعلم قادرًا على الاستكشاف وتوسيع أفقه، ولم يعد محصورًا في ما تقدمه المدرسة فقط.

2.2 التحول الرقمي كمصدر للتشويش والضغط
لكن الرقمنة ليست دائمًا عامل دعم، بل قد تصبح عامل ارتباك إذا لم يتم تأطيرها تربويًا. ويظهر ذلك في:​
  • كثرة المعلومات وصعوبة التمييز بين الصحيح والمضلل.​
  • انتشار صور مبالغ فيها للنجاح السريع.​
  • تأثير الإعلانات الرقمية التي تروّج لتخصصات دون توضيح شروطها.​
  • ضغط المقارنة المستمرة، وما ينتج عنه من قلق وإحباط.​
وبالتالي، فإن التحول الرقمي يجعل التربية على الاختيار أكثر تعقيدًا، ويحتاج إلى تكوين المتعلم على التعامل مع المعلومات الرقمية بوعي ونقد.

3. لماذا أصبحت التربية على الاختيار ضرورة في العصر الرقمي؟
1.3 لأن المسارات لم تعد مستقرة

في السابق، كان المتعلم يستطيع أن يختار مهنة ويستقر فيها سنوات طويلة. أما اليوم، فإن الواقع المهني يتسم بالتغير، وقد يحتاج الفرد إلى:​
  • تغيير تخصصه.​
  • إعادة التكوين أكثر من مرة.​
  • تطوير مهارات جديدة باستمرار.​
ومن ثم، فالتربية على الاختيار لم تعد مرتبطة بلحظة واحدة، بل أصبحت مرتبطة بتكوين المتعلم على مهارة “إعادة الاختيار” عند الحاجة.

2.3 لأن المدرسة لم تعد المصدر الوحيد للمعرفة
لم تعد المدرسة تحتكر المعرفة، لأن المتعلم أصبح يحصل على المعلومات من الإنترنت، ومن الفيديوهات التعليمية، ومن المنصات الرقمية. لكن هذا التحول يجعل المدرسة مطالبة بوظيفة جديدة: تعليم المتعلم كيف يفكر، وكيف يميز، وكيف يختار بدل الاقتصار على تقديم المحتوى.

3.3 لأن التوجيه لم يعد يكفي وحده
أصبح التوجيه التربوي، مهما كان دوره مهمًا، غير كافٍ إذا لم يُدعَم بمنظومة تربوية داخل المؤسسة. فالاختيار يحتاج إلى:​
  • تعلم تدريجي.​
  • تدريب على مهارات القرار.​
  • ورشات تطبيقية.​
  • متابعة نفسية وتربوية.​
4. شروط نجاح التربية على الاختيار في بناء المشروع الشخصي
1.4 إدماج التربية على الاختيار في التعلما
ت
نجاح التربية على الاختيار يبدأ حين تتحول إلى جزء من الحياة المدرسية اليومية، وليس مجرد نشاط موسمي. ويتطلب ذلك:​
  • تخصيص حصص لبناء المشروع الشخصي.​
  • أنشطة للتعرف على الشعب والتكوينات.​
  • تدريب المتعلم على تنظيم أهدافه ومراحله.​
  • إنجاز ملف شخصي يوثق تطوره.​
2.4 تنمية مهارات المتعلم الشخصية
الاختيار لا يقوم على المعرفة فقط، بل يقوم أيضًا على مهارات نفسية واجتماعية أساسية، مثل:​
  • الثقة بالنفس.​
  • القدرة على تحمل المسؤولية.​
  • القدرة على مواجهة الفشل دون انهيار.​
  • المرونة في تعديل الخطة.​
  • مهارات التواصل وطلب المساعدة.​
وهذه المهارات ضرورية لأن التحول الرقمي جعل النجاح أكثر ارتباطًا بالقدرة على التكيف والتعلم المستمر.

3.4 تكوين المتعلم على استعمال المعلومات الرقمية
لكي ينجح المتعلم في بناء مشروعه، يجب أن يتعلم:​
  • كيف يبحث عن معلومات دقيقة.​
  • كيف يتحقق من المصادر.​
  • كيف يميز بين التجربة الفردية والمعطى العام.​
  • كيف يتجنب الانبهار بالمحتوى السريع والمضلل.​
فالتربية الرقمية هنا ليست ترفًا، بل شرطًا للنجاح في الاختيار.

4.4 تطوير وظيفة التوجيه التربوي داخل المؤسسة
ينبغي أن يتحول التوجيه التربوي إلى ممارسة مستمرة داخل المؤسسة عبر:​
  • مقابلات فردية منتظمة.​
  • ورشات جماعية لبناء المشروع.​
  • أنشطة مدرسية حول المهن الجديدة.​
  • توظيف منصات رقمية رسمية للتوجيه والمتابعة.​
5.4 المدرسة كمجال لبناء التجربة وليس فقط المعرفة
من أهم شروط نجاح التربية على الاختيار أن يصبح المتعلم فاعلاً داخل المدرسة عبر مشاريع واقعية، مثل:​
  • مشروع علمي أو بيئي.​
  • مشروع رقمي بسيط (تصميم، فيديو، تطبيق).​
  • مشروع ثقافي أو فني.​
  • مشروع اجتماعي داخل المؤسسة.​
لأن التجربة العملية تساعد المتعلم على اكتشاف ذاته، وتعلم التخطيط، واختبار قدراته.

5. المشروع الشخصي في العصر الرقمي: مشروع قابل للتطور
في العصر الرقمي، لم يعد المشروع الشخصي يعني اختيار مهنة واحدة، بل أصبح يعني بناء مسار مهني متجدد يقوم على:​
  • مهارات عامة قابلة للاستعمال في مجالات متعددة.​
  • تعلم مستمر وتكوين ذاتي.​
  • قدرة على تغيير المسار عند الحاجة.​
  • وعي بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية.​
وبذلك يصبح المشروع الشخصي مشروعًا مرنًا، يتغير مع التجربة، ولا يتوقف عند محطة واحدة.

6. توصيات عملية لتفعيل التربية على الاختيار داخل المدرسة
  • اعتماد برنامج سنوي واضح للتربية على الاختيار يبدأ من الإعدادي إلى نهاية الثانوي.​
  • إحداث ملف شخصي لكل متعلم (ورقي أو رقمي) يتضمن أهدافه وميولاته وتقدمه.​
  • تنظيم أيام مدرسية للمهن الجديدة والتحولات الرقمية.​
  • تكوين المدرسين في مهارات التوجيه والتواصل والتربية الرقمية.​
  • إشراك الأسرة في دعم المتعلم بدل فرض اختيارات جاهزة عليه.​
  • اعتماد منصة مدرسية رسمية للتوجيه تقدم معلومات موثوقة وتتيح المتابعة.​
خاتمة :
إن التربية على الاختيار وبناء المشروع الشخصي للمتعلم في العصر الرقمي يمثلان رهانًا تربويًا حاسمًا، لأن التحول الرقمي جعل المسارات الدراسية والمهنية أكثر تعقيدًا، وأكثر تغيرًا، وأشد ارتباطًا بالكفايات الفردية. لذلك لم يعد يكفي أن يحصل المتعلم على معدل مرتفع، بل أصبح في حاجة إلى مهارات تساعده على فهم ذاته، وتحليل واقعه، واتخاذ قرار واعٍ ومسؤول.

إن المدرسة التي تنجح اليوم هي المدرسة التي تربي المتعلم على التفكير، وعلى حسن استعمال المعلومات، وعلى بناء مشروعه الشخصي بطريقة واقعية ومرنة، في عالم لا يتوقف عن التغير.​
**********
محمد بكنزيز - أكادير - فبراير 2026​
 
عودة
أعلى