قراءة في كتاب المشروع الشخصي للمتعلم للأستاذ عبد العزيز سنهجي

ab youssef

مشرف منتدى tawjihnet.net
طاقم الإدارة
قراءة في كتاب المشروع الشخصي للمتعلم
للأستاذ عبد العزيز سنهجي.
projet-personnel-senhiji-2020.jpg

من انجاز: عليوي الخلافة
طالب ماستر سوسيولوجيا التربية.

كلية الآداب والعلوم الانسانية
جامعة ابن طفيل القنيطرة، المغرب [email protected]
*************
senhiji.jpeg

********************​
صدر للاستاذ والخبير في مجال التوجيه المدرسي والجامعي والمهني، عبد العزيز سنهجي عن دار الطبع والنشر "شمس برينت"، الطبعة الأولى 2019، كتاب رائد في مجال تخصصه وهو كتاب "المشروع الشخصي للمتعلم في ضوء الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015_ 2030 من التصور إلى التنزيل" وكما جاء في عنوانه الفرعي، من التصور إلى التنزيل، فإن هذا الكتاب يحمل بعدين رئيسين البعد الاول يتعلق بالجانب النظري لمفهوم المشروع الشخصي للمتعلم، حيث يتوقف الاستاذ عند الدلالات والابعاد والخلفيات النظرية للمشروع الشخصي للمتعلم، لينتقل بعد ذلك في البعد الثاني إلى صياغة دلائل وعدد ديداكتيكية إجرائية تمكن من تحقق التنزيل الميداني للمشروع الشخصي للمتعلم. فكيف قارب الأستاذ عبد العزيز سنهجي نظريا المشروع الشخصي للمتعلم؟ وكيف حاول صياغة دلائل مساعدة على تنزيله؟

يفتتح هذا الكتاب صفحاته بالتقديم الهام الذي ميزه به الباحث، الرائد على المستوى العالمي في موضوع المشروع، "جون بيير بوتيني" والذي عمل فيه على التأكيد على أهمية وراهنية وضرورة امتلاك المتعلم اليوم لمشروع شخصي، من حيث أن هذا الامتلاك سيشكل الدافع والمانح للمعنى والدلالة، لسيرورة التعلم والتمدرس لدى الفرد. هذا المشروع الذي لن يكون كذلك إلا إذا كان فريدا وغير قابل للتكرار ويسعى للتحكم في عناصر وضعية المتعلم، وهو ما يجعل من هذا الأخير فاعلا ومؤلفا ومبدعا، عبر إدراكه لذاته ولمحيطه واستشرافه لمستقبله ويساعد الفاعلين التربويين والشركاء الذين سيعملون على مواكبته وتدقيق خطواته على التنزيل وعلى الضبط أكثر.

وضمن سياقنا الوطني المغربي، يؤكد الأستاذ عبد العزيز سنهجي على أهمية وضرورة التعاطي اليوم مع المتعلم المغربي وفق فلسفة المشروع الشخصي، الذي يعد بمثابة ثورة في تاريخ أشكال التعاطي مع حاجيات ومتطلبات وتطلعات هذا المتعلم، إنه تعامل يقطع مع المقاربات الجامدة لينخرط في منظورات نمائية استشرافية، تتقاطع فيها مختلف العوالم المحيطة بهذا المتعلم لتضعه في قلب العملية التنموية ككل، (ص15) وهكذا فإن هذه المقاربة تعد بمثابة ألية جديدة من أليات تحقيق التنمية البشرية، والنهوض بالإنسان في مجتمع المعرفة.

وإذا كان لكل كتاب ولكل مشروع أسئلة موجهة فإن الأسئلة التي اختارها صاحب هذا الكتاب موجهة له هي أسئلة تساءل المعنى، الغاية، المبرر، والآلية والأدوات ... وقد صاغها كالتالي:

ما المقصود بالمشروع الشخصي للمتعلم؟ ماهي مبررات إعمال المشروع الشخصي للمتعلم في سياق المدرسة المغربية؟ كيف يمكن تأطير تنزيل المشروع الشخصي للمتعلم ميدانيا؟ ما هي العناصر المنهجية والأنشطة والتمارين الممكنة من تحقيق ذلك؟ ما هي الفرص والمخاطر التي تواجه العمل بالمشروع الشخصي للمتعلم في سياقنا التربوي والتكويني؟ وأي أدوار جديدة لمختلف المتدخلين في مواكبة وتأطير العمل بالمشاريع الشخصية؟

وفيما يتعلق بالمرجعيات والمبررات والسيرورات التاريخية وخلفيات المفهوم يرى الأستاذ عبد العزيز سنهجي أن لهذا المفهوم مرجعيات وخلفيات وترسانة قانونية تنظمه، سواء بطريقة ضمنية كما هو الشأن في الخطب الملكية والميثاق الوطني والمخطط الاستعجالي، أو الحديث عنه صراحة كما هو الشأن في الرؤية الاستراتيجية 2015_ 2030 والقانون الإطار والقرار الوزاري والمذكرات الوزارية، خصوصا المذكرة المحددة لمهام وأدوار الأستاذ الرئيس، حيث أشار إلى أن الوزارة عملت اليوم على مأسسة العمل بالمشروع الشخصي للمتعلم والالتزام أمام صاحب الجلالة ضمن المشاريع السبعة الملتزم بها والذي نص على إرساء توجيه ناجع ومبكر ونشيط.

ويؤكد الخبير في التوجيه التربوي الأستاذ عبد العزيز سنهجي أن هذا الالتزام من طرف المؤسسات الرسمية بالعمل بالمشروع الشخصي للمتعلم له عدة مبررات، حيث أن التحولات السريعة المتزايدة لعالم اليوم والتي أصبح الفرد المتعلم مطالب بالانخراط فيها من أجل تحقيق انخراط واندماج اجتماعي ناجح وذلك بفعل الانتقال السلس الذي يتيحه المشروع الشخصي للمتعلم بين أنظمة التربية التكوين، إضافة إلى أنه يعد بمثابة ألية للنهوض بالمدرسة من خلال استنبات ثقافة المشاريع بها، واحداث انتقال نوعي في خدمة الإعلام والمصاحبة والتوجيه وانتقال في مناهج التفكير وأساليب المصاحبة وأساليب الممارسة واستراتيجيات الفعل، وهو في العمق انتقال من سؤال ماذا سنعمل بالمتعل؟ إلى سؤال كيف نساعد هذا المتعلم ليفعل بنفسه ما يريده؟ ليجد طريقة ومنهجية لبلورة مشروعه الشخصي على مدى حياته، والإجابة عن مجموعة من الأسئلة المقلقة ذات الطبيعة المعرفية والوجودية والقيمية أيضا.

ورفعا للبس الذي قد يشوب مفهوم المشروع الشخصي جراء كثرة استعماله وتداوله، عمل الأستاذ عبد العزيز سنهجي على العودة إلى السيرورة التاريخية للمفهوم مبرزا ان هناك ثلاث تيارات تناولت هذا المفهوم بهذا الشكل أو ذاك، وهي:

التيار البسيكوميتري الذي يرتكز على علم النفس الفارقي حيث استحضار الفرد لوحده في التحليل لكل شخص مهمة محددة يصلح لها.
التيار السلوكي الذي يرتكز على المحيط السوسيومهني أن المحيط هو الذي يصنع وضع الشخص
التيار الانساني: الذي يعمل على الدمج بين الشخص ومحيطه ينظر إلى الفرد كنسق مفتوح يتطور من خلال تجاربه.

إضافة إلى هذا يستحضر صاحب كتاب المشروع الشخصي للمتعلم خلفيات نظرية أخرى، منها الأنثروبولجية التي تركز على العامل الثقافي، والخلفية الابستيمولجية التي تنظر إلى الفرد ككائن من جانب النمو المعرفي( بياجي) والخلفية السوسيولوجية التي تربط المشروع الشخصي للمتعلم بشبكة العلاقات الاجتماعية للمتعلم، إضافة إلى الخلفية الفلسفية الوجودية التي نظرة إلى الإنسان كمشروع والخلفية السيكولوجية التي اهتمت بجانب الدوافع والحوافز التي تعتبر شرطا أساسيا والخلفية الاقتصادية التي تربط تعلمات الفرد الاقتصادي والمهني، وأخيرا الخلفية التربوية التي تنظر إلى المشروع الشخصي للمتعلم باعتباره مقاربة تسعى إلى إكساب المتعلم مهارات ومعارف وكفايات حياتية مستعرضة.

وبعد ذلك يستعرض هذا الكتاب جملة من التعاريف الاكاديمية المقدمة لمفهوم المشروع الشخصي ولعل أبرزها تعريف ج.ب. بوتيني الذي يعرف المشروع الشخصي بأنه "توقع اجرائي لمستقبل منشوذ" يقوم على استيعاب التجارب السابقة والارتكاز عليها للانخراط في المستقبل، ضمن واقع غير مستقر. والمشروع الشخصي من هذه الزاوية ثلاث أبعاد: بعد حيوي، بعد برغماتي، بعد تنبئي، استشرافي.

وهو حسب كوشار Guichard تبصر في ثلاث مستويات: الوضعية الحالية وما تحمله من تراكمات حول الماضي، المستقبل المأمول، الوسائل المتاحة .

وفي الاخير ينتهي الأستاذ عبد العزيز سنهجي إلى اعتماد التعريف التالي:

المشروع الشخصي، هو عبارة عن خطة عمل يعتمدها المتعلم لتحقيق أهداف وأغراض محددة عن طريق توقعها وتوفير الوسائل اللازمة لبلوغها. إنه تمثل استباقي تنبؤي لنتيجة مستقبلية، يستهدف منها تحقيق غاياته ومطامحه ورغباته وحاجياته. ( ص33/34) أنه حسب روتني تصور اجرائي لمستقبل ممكن.

وإذا كان المشروع الشخصي ينبني على فلسفة جديدة، فإنه حسب الأستاذ عبد العزيز سنهجي يحتاج أيضا إلى نموذج بيداغوجي جديد يلائمه ويقطع كليا مع نموذج البيداغوجيا التقليدية، حيث أنه لا يتلاءم إلا مع نموذج بيداغوجي يضع المتعلم في قلب العملية التعليمية التعلمية ونموذج يتأسس على فلسفة النجاح، ويؤمن بتعدد الذكاءات، والربط بين التعلم والحياة كما عبر عنه جون ديوي ب التعلم عبر الفعل Learning by doing .

إن المشروع الشخصي للمتعلم هو أيضا تجديد في أدوار المتدخلين التربويين فإذا كانت هذه التدخلات تتخذ من حيث طبيعتها ثلاث أشكال: تدخلات انمائية تطويرية، تدخلات علاجية و تدخلات وقائية، وذلك عبر ثلاث مستويات: على مستوى قريب، المؤسسة التعليمية على مستوى المحيط السوسيومهني والمستوى الثالث عبر تيسير التفاعل بين المتعلم ومحيطه السوسيومهني. حيث انه ومن أجل تحقيق مقتضيات المشروع الشخصي للمتعلم لابد من إعادة النظر في مختلف أدوار الفاعلين والشركاء الداخلين والخارجين وفق إطار تعاقدي حيث يصبح المتعلم هو الفاعل الرئيسي في بناء مشروعه الشخصي، ومسؤولا عنه وتطويره والمحافظة عليه، في حين يكون المدرس مساعدا مواكبا لهذا المتعلم، أما الموجه فإنه يصبح منسق ومشخص ومقوم لهذه العملية، كما تلتزم الأسرة وجمعية الأباء بالمساهمة والدعم والمساندة وكذلك يجب انخراط مختلف الشركاء من جماعات محلية فاعلين اقتصاديين ومؤسساتيين.

وفي هذا السياق يرى الأستاذ عبد العزيز سنهجي أن الرؤية الاستراتيجية للإصلاح وإذا كانت تعد بمثابة استجابة لمجموعة من المشاكل التي تعرفها المنظومة التربوية كالهدر، العنف، صعوبة الاندماج السوسيومهني، فإن هذه الاخيرة جاءت بشعار الإنصاف الجودة، والارتقاء. هذه الشعارات لا يمكن أن تتحقق إلا إذا تبلورت كمشاريع، واهم هذه المشاريع المشروع الشخصي للمتعل. وإذا كانت الرؤية الاستراتيجية تراهن على حق المتعلم في إعداد وتحقيق مشروعه الشخصي، وتعتبر ان المشروع الشخصي للمتعلم كيان فكري ونفسي متكامل، يدمج من خلاله المتعلم بكيفية نسقية، معرفته بذاته وبنظامه المدرسي والتكويني وبعالم الشغل والمهن. كما أن المشروع الشخصي يعد رهان لتطوير التعليم والبحث العلمي.

وإذا كان المشروع الشخصي الآلية الأقرب لربط المتعلم بسوق الشغل فإن هذا الأمر يطرح سؤال ملاءمة سوق الشغل؟ حيث يرى الأستاذ عبد العزيز سنهجي أنه لبلورة المشروع الشخصي للمتعلم يجب أن نأخذ بعين الاعتبار الظروف التي تتم فيها صياغة هذا المشروع، ومن أهم هذه القضايا إشكالية الملاءمة مع سوق الشغل وأهم ما تطرحه هذه المسألة، هو قضية التحولات الراهنة التي يعرفها هذا العالم، وفي هذا الصدد سيميز الاستاذ عبد العزيز سنهجي بين اربعة اطروحات تناولت سؤال الملاءمة هذا وهي كالتالي:

الأطروحة الأولى والتي اختزلت المشكل في منظومة التربية والتكوين ووصفتها بالتقليدية، المنغلقة، وغير الشجاعة...
الأطروحة الثانية والتي وجهت اللوم للنظام السوسيومهني باعتباره نظام هش ولا يسمح بتوفير فرص كافية، وغير متطور.
الأطروحة الثالثة فقد وجهت اللوم للنظامين معا، نظام التربية ونظام سوق الشغل واعتبرتهم غير قادرين على الانفتاح وغير مندمجين.
الأطروحة الرابعة وهي الأطروحة التي تتلاءم وفلسفة المشروع الشخصي، وتتجاوز مسألة اللوم والعتاب وتراهن على الفاعل وهو ما يجعلها، تراهن على المشروع الشخصي للمتعلم كآلية لتجاوز هذا التناقض، والنظر إلى المدرسة كداعمة ومساهمة في تحقق هذا المشروع وإلى سوق الشغل كمجال لتحققه، حيث يساهم فيه الفاعل نفسه.

وهذا يتم عبر ثلاث استراتيجيات، استراتيجية مستقلة: استقلالية الفرد في صياغة مشروعه الشخصي، استراتيجية مندمجة ستدمج جميع المعارف المدرسية استراتيجية موازية، تستحضر بالموازات الأنشطة الموازية للتعلم.

بعد هذا التأطير النظري للمفهوم الشخصي للمتعلم ينتقل الأستاذ عبد العزيز سنهجي لبحث سبل التنزيل الميداني، حيث عمل على تحديد أهداف المشروع الشخصي للمتعلم والتي من أهمها: تحفيز المتعلم وتحقيق انخراطه في كل مختلف مستويات الحياة، بعد ذلك يحدد خصائص ومميزات المشروع الشخصي للمتعلم ومن أهمها الاستمرارية، الربط والانسجام، تنمية الشعور بالانتماء، التنامي والانتشار، الواقعية، التغيير المخطط، الاستقطاب والانفتاح. اما وظائفه فهي ثلاثة وظيفة انمائية، وظيفة علاجية، وظيفة وقائية. وبالنسبة للمراحل الأساسية للمشروع فقد حددها الأستاذ عبد العزيز سنهجي في مرحلة الاستكشاف، البلورة، التخصيص والإنجاز. وأخيرا كفايات المشروع التي تتجلى في الاستقلالية، المسؤولية، الابداع، المثابرة، روح الفريق، الالتزام، التعاون، المرونة والتكيف.

ومن أجل إحاطة شاملة بحيثيات المشروع الشخصي صاغ الأستاذ عبد العزيز سنهجي عدة منهجية دقيقة على شكل جداول تحدد عناصر وأدوات لمعرفة ثلاث أقطاب رئيسية أولها قطب الذات ثم قطب عالم الدراسة والتكوين وأخيرا قطب عالم السوسيومهني. حيث يقوم المشروع الشخصي على مبدأين رئيسيين هما مبدأ الاستكشاف، ومبدأ التجريب، أما التقنيات التي يجب اعتمادها لتنزيل المشروع الشخصي في تقنيات التنشيط، الاكتشاف، التطوير، والتقييم. وذلك من خلال الانطلاق من وضعية المتعلم وجعله في وضعية تنافر واقحامه في تجارب. وذلك اعتمادا على روائز وتمارين اختبارية يقدم الكتاب نماذج عملية لها.

اما مؤشرات نجاح المشروع الشخصي فهي الفعالية، المطابقة، الديمومة، الكفاية والأثر الايجابي.

وفي الختام يؤكد الخبير في مجال التوجيه والاستشارة التربوية الأستاذ عبد العزيز سنهجي، على أن نجاح المشروع الشخصي للمتعلم في المنظومة التربوية المغربية لن يتم إلا عبر أربع مستلزمات أساسية وهي:
1) الديمومة، جعل المشروع سيرورة مستمرة قابلة للتطور.
2) الشراكة والعمل الجماعي، عبر نسق تشاركي محفز لجميع الفاعلين والشركاء
3) الانسجام، تناغم بين مختلف الأنشطة التي تصب في إطار المشروع الشخصي للمتعلم.
4) التعاقد انخراط كل الفاعلين ضمن عمل تعاقدي، يستند لمنهجية توافقية.

و ككلمة اخيرة منا، يمكن القول إن أهمية هذا الكتاب تتجلى في كونه جاء شاملا وجامعا مانعا لكل ما يتعلق بتيمة المشروع الشخصي للمتعلم من جوانب نظرية وإجرائية ومن هنا فإنه كتاب مهم لجميع الفاعلين التربويين والموجهين على وجه الخصوص ولكل من ستكون لهم اليد في التنزيل الميداني للمشروع الشخصي للمتعلم، وخصوصا لمن سيكلفون بمهمة الأستاذ الرئيس فهو سبيل للتبصر والعمل، في هذا المجال.
 
التعديل الأخير:
عودة
أعلى